مسرحية “جين”.. عندما يتحول الفضول إلى الخطيئة الأولى

 

عمان – شهد مسرح محمود أبو غريب (المسرح الدائري) في المركز الثقافي الملكي، مساء الخميس الماضي، عرض مسرحية “جين”، ضمن فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان عمون لمسرح الشباب، الذي يقام برعاية وزارة الثقافة ونقابة الفنانين الأردنيين.
العمل من إعداد وإخراج معتصم كلوب، وتأليف محمد علي إبراهيم، ومقتبس عن قصة “الغرفة” للكاتب كريستيان فولكمان.
وقدّم العرض تجربة بصرية ونفسية مشحونة بالتوتر، عبر معالجة درامية عميقة لطبيعة النفس البشرية والحدود الفاصلة بين الرغبة المشروعة والجشع المدمّر.
وافتتح العرض بمشهد استهلالي مكثف اختزل فكرته الفلسفية؛ إذ انطلقت الحكاية من داخل مصحة نفسية وعلى لسان شخصية “المجنون”، التي جسدها الفنان عبدالله خليل، في حالة من الهذيان الصادم. ووضع هذا المشهد الجمهور مباشرة أمام الثيمة المركزية للعمل: كيف يمكن للفضول الإنساني أن يتحول إلى قوة مدمرة تلتهم المبادئ والقيم في سبيل تحقيق الرغبات.
وينسج العرض خطاً درامياً متشابكاً يبدأ برواية يحاول بطل العمل كتابتها، في تداخل رمزي بين الواقع والخيال. فالبطل روائي يعاني جفاف الإلهام، يغرق في الخمر ويعيش مع زوجته حالة من الفقد بعد رحيل ابنهما، فيما تدور بينهما حوارات تكشف هشاشة العلاقة وثقل الفجيعة.

وتنقلب الأجواء نحو الكوميديا السوداء عبر اتصال هاتفي لاستئجار غرفة سرية مغلقة داخل المنزل، ليتبين أن مالك العقار هو ذاته “المجنون” المقيم في المصحة. ورغم تحذيراته المتكررة من فتح الغرفة، يقود الفضول الزوج إلى كسر المحظور.
واعتمد المخرج على توظيف الفضاء الدائري للمسرح بوصفه امتداداً للحالة النفسية للشخصيات، فجاءت السينوغرافيا بسيطة وموحية، مستندة إلى أوراق متناثرة ولوحة رسم ومقاعد وزجاجات معلقة في العمق الخلفي، بدت كأنها أوعية للأمنيات والذكريات المحتجزة. كما أسهمت الإضاءة في تعزيز الدلالة الرمزية للغرفة عبر حضور اللونين الأسود والأحمر بوصفهما علامتين على الغموض وتحقيق الأمنيات.
وعلى مستوى الأداء، قدم أحمد سرور شخصية الزوج الروائي بتمكن، مجسداً تحولات الشخصية بين الإحباط والطمع، فيما أدت الفنانة نغم دور الزوجة المثقلة بالفقد، ولا سيما بعد دخولها الغرفة وتحقيق أمنيتها المستحيلة بعودة ابنها الراحل إلى الحياة.
ويظهر الابن بداية في هيئة طفل قبل أن يتحول سريعاً إلى شاب بفعل القوى الخارقة للغرفة، في مسار يكشف الوجه المظلم للأمنيات حين تتجاوز حدود الطبيعة.
وتتصاعد الإثارة النفسية حين يكتشف الزوج أن ابنه “المستعاد” محكوم بالبقاء داخل المنزل، إذ يتحول إلى رماد إذا غادره. وفي محاولة للخلاص من اللعنة، يعود إلى صاحب العقار في المصحة ليكتشف أن الحل الوحيد يكمن في “قتل صاحب الأمنية”.
وفي ذروة تراجيدية قاسية، يعود الزوج إلى منزله ليجد أن الابن قد تحرر من لعنته، لكن بعد أن قتل والدته، صاحبة الأمنية.
وتنتهي المسرحية بنهاية دائرية قاتمة ومفتوحة على التأويل؛ إذ يقف الزوج وحيداً وسط حطام حياته، متجهاً نحو باب الغرفة السرية مرة أخرى، مدفوعاً برغبة يائسة في استعادة زوجته وطفله. وتُسدل الستارة على مشهد يكرّس فكرة العرض الأساسية: أن الغرفة ليست سوى مرآة تكشف هشاشة النفس البشرية وجشعها حين تفقد ضوابطها الإنسانية.
وفي لفتة وفاء، أهدى صناع العمل المسرحية إلى روح المخرج الأردني الراحل خالد الطريفي، تقديراً لمسيرته الفنية وإسهاماته في الحركة المسرحية الأردنية.

Exit mobile version