هل تخضع الثقافة لابتزاز (بعض) الإعلام!؟
كتب: الصحفي ماهر الشريدة (رئيس لجنة حماية المهنة في نقابة الصحفيين )
حين تتحول الرسالة الإعلامية من مسؤولية التنوير إلى حسابات المردود المادي، لا تكون الثقافة وحدها هي الخاسر، بل يخسر المجتمع حقه في المعرفة والوعي.
المفارقة التي تستحق التوقف أمامها في المشهد الثقافي والإعلامي؛ فبينما تتسع دائرة النشاط الثقافي، وتتزايد المبادرات والبرامج والفعاليات التي تستهدف بناء الوعي، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوسيع المشاركة المجتمعية في الفعل الثقافي، يبدو حضور هذه الجهود في بعض المساحات الإعلامية أقل من حجمها وأهدافها وأثرها المفترض.
كان ذلك بالنسبة لي مجرد تكهنات حتى كشفت؛ تجربة شخصية حديثة في متابعة الخبر الثقافي، والاشتباك المباشر مع بعض العاملين في هذا المجال داخل الوسط الإعلامي، عن إشكالية لا يمكن تجاهلها، تتمثل في تراجع إدراك بعضهم لطبيعة الرسالة الإعلامية والثقافية، وتغليب الحسابات المادية على الدور التوعوي والتثقيفي والوطني الذي يفترض أن تضطلع به وسائل الإعلام.
الموضوه هنا ليس اعتراضاً على حق الصحفي أو المؤسسة الإعلامية في الحصول على مقابل مادي لقاء خدمات إنتاجية أو إعلانية أو أعمال إعلامية متخصصة؛ فهذا حق مهني مشروع، لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح نشر الخبر الثقافي، أو منحه مساحة في التغطية، خاضعاً للمساومة، وعندما يتحول التعامل مع المعلومة والحدث الثقافي إلى مفاوضات على السعر، وكأن نشر المعرفة خدمة استثنائية لا واجب مهني ومجتمعي.
لذا كان لا بد من الإجابة على سؤال: هل أصبح الخبر الثقافي بحاجة إلى ميزانية خاصة كي يصل إلى الجمهور؟ وهل باتت المؤسسات الثقافية مطالبة بدفع ثمن حضورها الإعلامي، حتى عندما يتعلق الأمر بأنشطة وفعاليات عامة، ونتاج ثقافي يستهدف المجتمع بأسره؟
إن خطورة هذه الممارسة لا تكمن فقط في إضعاف حضور النشاط الثقافي إعلامياً، بل في إعادة تعريف وظيفة الإعلام نفسه، وتحويله من شريك في بناء الوعي العام إلى وسيط تجاري قد يحجب الحدث أو يقلص حضوره ما لم تتحقق له منفعة مادية مباشرة.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال حجم الحراك الثقافي الذي تشهده وزارة الثقافة، وما يرتبط به من جهود وخطط وبرامج ومبادرات تنفذها الوزارة عبر كوادرها ومديرياتها ومؤسساتها الثقافية في مختلف محافظات المملكة، فهناك نشاط متواصل يستهدف الوصول إلى الجمهور، وتعزيز حضور الكتاب والمسرح والفنون، ودعم المبدعين، وترسيخ الهوية الوطنية، وإتاحة الثقافة أمام مختلف الفئات والشرائح المجتمعية.
اضافة الى أن الجهود التي يبذلها وزير الثقافة وكوادر الوزارة، وما تتضمنه الخطط الثقافية من تنوع واتساع في البرامج والأنشطة، تحتاج إلى إعلام يواكبها، ويفهم مضامينها، ويقدمها للرأي العام بوصفها جزءاً من مشروع وطني لبناء الإنسان وتعزيز وعيه، لا مجرد أخبار مناسبات تنتهي بانتهاء الفعالية.
تظل كثير من الأنشطة حبيسة التغطية المحدودة، وتغيب أهدافها عن الجمهور، ولا تصل رسائلها إلى الفئات المستهدفة، وتضيع فرصة تحويل الانشطة الثقافية إلى حالة مجتمعية مستمرة، و قد تنجح المؤسسة في تنظيم الفعالية، لكنها لا تنجح بالضرورة في إيصال أثرها ورسالتها إلى المجتمع، لأن الحلقة الإعلامية التي يفترض أن تنقل هذا الأثر وتوسّع دائرته لم تؤد دورها كما ينبغي.
واكثر ( الافعال المستنكرة) أن بعض من يتصدرون متابعة الشأن الثقافي لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم شركاء في صناعة الوعي الثقافي والوطني، بل يختزلون العلاقة مع المؤسسات الثقافية في حدود المصالح الآنية، دون إدراك أن الخبر الثقافي ليس مجرد إعلان عن نشاط، وإنما نافذة على المعرفة، ومساحة لتقديم المبدع، وتوثيق للذاكرة الوطنية، وتعريف بالمبادرات التي تصنع التحولات في المجتمع.
إن الإعلام الثقافي ليس ترفاً مهنياً، ولا مساحة هامشية في العمل الصحفي، بل هو أحد أهم أدوات تشكيل الوعي، وحماية الهوية، ونقل المعرفة، وإبراز المنجز الوطني. ومن يتولى هذه المسؤولية ينبغي أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالشأن الثقافي، وأن يدرك قيمة ما ينقله، وأن يميز بين التغطية الصحفية المستقلة والإعلان التجاري المدفوع.
وفي المقابل، لا ينبغي للمؤسسات الثقافية أن تكتفي بإرسال البيانات الصحفية وانتظار النشر، بل عليها تطوير خطابها الإعلامي، وبناء علاقات مهنية قائمة على الشراكة، وتقديم محتوى صحفي جاذب، وقياس أثر أنشطتها في الجمهور، والانفتاح على وسائل الإعلام بمختلف أشكالها ومنصاتها.
المطلوب ليس إعلاماً يجامل الثقافة، ولا مؤسسات ثقافية تبحث عن تغطية مجانية بأي ثمن، وإنما علاقة مهنية متوازنة تحكمها المسؤولية والاستقلالية والشفافية، ويكون معيارها الأساسي حق المجتمع في المعرفة.
فليس من المنطقي أن تنفق المؤسسات الثقافية جهوداً وموارد كبيرة لإنتاج النشاط الثقافي، ثم تجد نفسها أمام معادلة تجعل وصول هذا الفعل إلى الناس مرتبطاً بقدرتها على الدفع، أو بمدى استعدادها للدخول في مساومات لا علاقة لها بجوهر الرسالة الإعلامية.
إن الثقافة لا تطلب امتيازا من الإعلام، بل تطلب منه أن يؤدي دوره، والإعلام لا يفقد استقلاليته عندما يمنح الثقافة حقها في التغطية، بل يفقد جزءا من رسالته عندما يتخلى عن دوره في التنوير والتثقيف وخدمة المجتمع.
الملخص: بخضوع الثقافة لمحاولات ابتزاز بعض الإعلام، تكون المعرفة نفسها هي الضحية، ويكون المجتمع هو من يدفع الثمن، فيصبح ساعتها لزاما على الجهات الرقابية اتخاذ موقف لحماية المهنة وحماية المجتمع.