عمّان 28 تشرين الأول – ماهر الشريدة
حارتنا الثقافية ..
أكد أمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال الأحمد أن السردية الأردنية تمثل مشروعا معرفيا وثقافيا متجددا، يهدف إلى توثيق تاريخ الأرض والإنسان، وتحويل الذاكرة الوطنية إلى وعي وقيم وممارسات تعزز الهوية الجامعة والمواطنة والمسؤولية المشتركة.
وقال الأحمد، في ورقة بعنوان “السردية الأردنية والثقافة الوطنية: المفهوم والمخرجات”، قدمها خلال الجلسة الرئيسية الأولى للمؤتمر الوطني الرابع والعشرين لجمعية المكتبات والمعلومات الأردنية، إن السردية تعد إحدى الأدوات الأساسية التي تستعين بها الأمم لفهم تاريخها وتفسير حاضرها واستشراف مستقبلها، مبينًا أن هوية الأوطان لا تتشكل من الجغرافيا والحدود السياسية وحدها، بل أيضًا من الذاكرة المشتركة والتجارب التاريخية والقيم الثقافية والاجتماعية والرؤى المستقبلية.
وأشار إلى أن السردية الأردنية تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الإرث الحضاري والإنساني العميق للأردن، وما شهدته أرضه من تعاقب للحضارات والممالك والثقافات، والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تشكيل شخصية المجتمع الأردني، وصولًا إلى تأسيس الدولة الأردنية الحديثة عام 1921، واستقلال المملكة عام 1946، ومراحل البناء والتحديث اللاحقة.
وأوضح أن السردية هي رواية تاريخية وطنية شاملة توثق حكاية الأرض والإنسان عبر العصور، وتقرأ التفاعل بين المكان وإنسانه وما نتج عنه من حضارات وقيم وتجارب اجتماعية وثقافية وسياسية، وصولًا إلى الدولة الأردنية الحديثة وتطلعاتها المستقبلية.
وبين أن مفهوم السردية يتجاوز جمع الأحداث التاريخية أو استعراض الشخصيات الوطنية والإنجازات السياسية، ليشمل ربط الوقائع التاريخية بمعانيها الإنسانية والاجتماعية، وإبراز إسهام الإنسان في بناء المكان ودور المكان في تشكيل هويته.
ولفت إلى أن مصادر السردية الأردنية تتنوع لتشمل الوثائق والمخطوطات والآثار والمواقع التاريخية والروايات الشفوية والأغاني والأهازيج والشعر الشعبي والعادات والتقاليد والسير الشخصية والذاكرة الاجتماعية، إلى جانب الدراسات التاريخية والاجتماعية والثقافية الموثوقة.
وشدد على أن السردية الأردنية ليست بديلًا عن البحث التاريخي العلمي، بل جسر يصل المعرفة التاريخية بالمجتمع ويحولها إلى محتوى مفهوم وقابل للتداول والتعلم والتفاعل، كما أنها ليست رواية مكتملة لا تقبل الإضافة أو المراجعة، وإنما مشروع متجدد يتوسع باكتشاف الوثائق الجديدة ودراسة التجارب والمناطق التي لم تحظ بالاهتمام الكافي، وإتاحة المجال للمواطنين للمساهمة في توثيق ذاكرتهم المحلية.
وأشار إلى أن المشروع الوطني للسردية الأردنية، الذي تبنته وزارة الثقافة بعد إطلاقه من سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في محافظة الطفيلة، اتجه إلى توثيق تاريخ الأرض والإنسان وإبراز الإرث الحضاري والثقافي وتقديمه بأساليب معاصرة، مع توسيع المشاركة المجتمعية في حفظ الذاكرة الوطنية.
السردية والثقافة الوطنية
وفي حديثه عن العلاقة بين السردية الأردنية والثقافة الوطنية، أوضح الأحمد أن السردية تسهم في الإجابة عن سؤال الهوية وكيفية تشكل المجتمع عبر التاريخ، فيما تعكس الثقافة الوطنية كيفية ترجمة هذا الوعي إلى قيم وسلوكيات وممارسات يومية.
وقال إن الثقافة الوطنية لا تقتصر على الشعارات والمناسبات الاحتفالية، بل تشمل منظومة من القيم والمعارف والرموز والسلوكيات التي تنظم علاقة المواطن بوطنه ومجتمعه ومؤسساته، وتظهر في احترام القانون وصون الممتلكات العامة وقبول التنوع وتقدير العمل والمحافظة على التراث والمشاركة في الشأن العام وتحمل المسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.
وحدد ثلاثة مسارات رئيسية تسهم من خلالها السردية الأردنية في بناء الثقافة الوطنية، أولها تعزيز الوعي بالتاريخ والجذور، بما يساعد على فهم عمق التجربة الإنسانية على أرض الأردن، ويمنح المواقع الأثرية والمدن والقرى والبوادي والأغوار معناها الوطني والثقافي، بدلًا من التعامل معها بوصفها أماكن جغرافية أو معالم سياحية فحسب.
ويتمثل المسار الثاني، بحسب الأحمد، في ترسيخ الهوية الأردنية بأبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية والعربية والإنسانية، من خلال إبراز المشتركات التي تجمع الأردنيين واحترام تنوع تجاربهم المحلية وإظهار إسهام المناطق والفئات والأجيال المختلفة في بناء الوطن.
أما المسار الثالث، فيقوم على الانتقال من الذاكرة إلى المسؤولية، بحيث لا يقتصر الاعتزاز بالتاريخ على معرفة البطولات والإنجازات، بل ينعكس في ممارسات معاصرة تستند إلى قيم التضحية والعمل والتكافل والصمود، وتساعد المجتمع على مواجهة تحديات الحاضر.
وأكد أهمية التمييز بين الانتماء بوصفه شعورًا وجدانيًا والمواطنة بوصفها ممارسة للحقوق والواجبات والمسؤوليات، مبينًا أن الثقافة الوطنية المتينة تجمع بين الاعتزاز بالهوية والالتزام بالقانون، والوفاء للتاريخ والإسهام في التطوير، واحترام الخصوصية المحلية والإيمان بالمصلحة الوطنية المشتركة.
(خمسة مجالات لمخرجات السردية الأردنية)
واستعرض الأحمد خمسة مجالات رئيسية للمخرجات المتوقعة من السردية الأردنية، تشمل المجالات المعرفية والتوثيقية، والتربوية والثقافية، والوطنية والاجتماعية، والإعلامية والإبداعية، والتنموية والاقتصادية.
وفي المجال المعرفي والتوثيقي، أشار إلى أهمية بناء مرجعية وطنية موثوقة تضم الوثائق والصور والروايات الشفوية والدراسات والمواد الأرشيفية، وتوثق التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للأردن، وتبرز تاريخ المحافظات والمناطق وتفاعلها عبر الزمن.
وأكد ضرورة إخضاع المواد للتحقق العلمي، والتمييز بين الحقيقة التاريخية والرواية الشفوية والتفسير، مع توثيق المصادر وإتاحة المعرفة للباحثين والطلبة والمهتمين.
وفي المجال التربوي والثقافي، بين أن المخرجات تشمل تطوير محتوى تعليمي وثقافي يساعد الأجيال الجديدة على فهم تاريخ الأردن وهويته، وربط المعرفة النظرية بالتجربة الحية عبر الزيارات الميدانية والمشروعات المدرسية والجامعية والمسابقات الثقافية والقصص والأفلام والمواد الرقمية.
وأشار إلى أن وزارة الثقافة زودت وزارة التربية والتعليم بمادة حول السردية الأردنية، تمهيدًا لإدراجها ضمن المناهج المدرسية، موضحًا أن الهدف لا يقتصر على إضافة معلومات تاريخية، بل يمتد إلى تنمية قدرة الشباب على فهم سياقات التاريخ وتقدير التنوع الثقافي والتمييز بين المعلومات الموثقة والمحتوى المضلل.
وفي المجال الوطني والاجتماعي، لفت إلى دور السردية في تعزيز الانتماء والمواطنة، وتوسيع الحوار بين مكونات المجتمع، وإبراز إسهامات الأردنيين في مختلف المناطق والحقب التاريخية، بما يساعد على تجاوز النظرات المناطقية الضيقة، ويؤكد أن التنوع أحد مصادر قوة الوحدة الوطنية وغناها.
أما في المجال الإعلامي والإبداعي، فأوضح أن السردية الأردنية أصبحت مصدرا للإنتاج الثقافي والإعلامي من خلال الأفلام الوثائقية والدراما التاريخية والرواية والمسرح والفنون التشكيلية والبودكاست والمنصات الرقمية والخرائط التفاعلية.
وأكد ضرورة تقديم التاريخ بأساليب جذابة تستند إلى الوقائع، وتخاطب الأجيال الجديدة ووسائطها، وتقدم صورة الأردن للعالم بصورة معرفية وإنسانية معاصرة.
وفي المجال التنموي والاقتصادي، أشار الأحمد إلى أن التاريخ والتراث يمكن أن يشكلا موردا للتنمية الثقافية والسياحية والإبداعية، من خلال ربط المواقع الأثرية والتراثية بحكايات الإنسان والمكان، وتطوير التجارب السياحية، ودعم الصناعات الثقافية والحرف التقليدية، وتوفير فرص للباحثين والفنانين والمرشدين والحرفيين والمشروعات المحلية.
وتناول الأحمد عوامل نجاح مشروع توثيق السردية الأردنية، وفي مقدمتها المصداقية العلمية القائمة على المصادر الموثوقة ومراجعة الروايات المختلفة والابتعاد عن المبالغة والانتقائية، إلى جانب الشمول والتوازن في تناول التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وإبراز تجارب المدن والقرى والبادية والأغوار وإسهامات النساء والشباب والعاملين والمبدعين وسائر فئات المجتمع.
كما أكد أهمية المشاركة المجتمعية في حفظ الذاكرة الوطنية، من خلال إتاحة المجال أمام المواطنين لتقديم الوثائق والصور والحكايات والموروثات المحلية، ضمن آليات واضحة للتحقق والحفظ والنشر، مشيرًا إلى دور منصات وزارة الثقافة، ولا سيما منصة “قصص من الأردن”، في هذا المجال.
وشدد على ضرورة التكامل المؤسسي والتعاون بين وزارات الثقافة والشباب والتربية والتعليم والسياحة والإعلام، والجامعات ومراكز البحث والبلديات والمؤسسات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني.
وأوضح أن قياس نجاح المشروع لا ينبغي أن يقتصر على عدد المنشورات والفعاليات، بل يجب أن يشمل مدى وصول محتواه إلى الجمهور، واندماجه في التعليم والإعلام والحياة الثقافية، وقدرته على تعزيز المعرفة التاريخية والمشاركة المجتمعية والممارسات الإيجابية للمواطنة.
وأشار إلى إسهام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في رقمنة الأرشيف وتسهيل البحث وإنتاج المحتوى، مع ضرورة إخضاع المعلومات للتحقق البشري والعلمي، واحترام حقوق الملكية الفكرية والخصوصية، وعدم التعامل مع المخرجات التقنية بوصفها مصادر تاريخية مستقلة.
وفي ختام الورقة، أكد الأحمد أن السردية الأردنية ليست مجرد محاولة لاستعادة الماضي، بل جهد لفهم كيفية تشكل الأردن عبر التاريخ، ودور الإنسان في بناء هويته ومجتمعه ودولته، وكيفية تحويل هذا الإرث إلى مصدر إلهام للعمل في الحاضر والاستعداد للمستقبل.
وقال إن القيمة الحقيقية للسردية تكمن في قدرتها على الربط بين ذاكرة تحفظ الماضي، وثقافة تصوغ الحاضر، ورؤية تفتح الطريق إلى المستقبل، لافتًا إلى أن تحويل المعرفة التاريخية إلى وعي، والوعي إلى قيم، والقيم إلى ممارسة مسؤولة، يجعل السردية قوة فاعلة في بناء المجتمع وتعزيز تماسكه.
وأكد أن مسؤولية السردية الأردنية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمثقف والمبدع والمواطن، وأن الغاية تتمثل في جعل قصة الأردن مفهومة للأجيال الجديدة، وموثقة للأجيال القادمة، ومفتوحة أمام إسهامات الأردنيين جميعًا، وقادرة على الإسهام في بناء وطن أكثر معرفة وتماسكا وإبداعا وعدالة.