مهرجان عمون لمسرح الشباب… حين تصبح الخشبة مختبراً للمستقبل
عمّان – مع إسدال الستار على الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان عمون لمسرح الشباب، يتأكد مجدداً أن هذا المهرجان لم يعد مجرد محطة سنوية في أجندة المسرح الأردني، بل تحول إلى مساحة حيوية لاختبار الأسئلة الجديدة، واكتشاف الأصوات الشابة، وقياس نبض التحولات الفكرية والجمالية التي يعيشها المسرح الأردني.
فعلى امتداد أكثر من عقدين، أسهم المهرجان في بناء تقليد مسرحي راسخ، منح أجيالاً من المخرجين والممثلين والكتّاب فرصة العبور من الحلم إلى المنجز، ومن التجربة الأولى إلى الاحتراف. وفي كل دورة كان يضيف لبنة جديدة في مشروع ثقافي يؤمن بأن المسرح ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة معرفية وإنسانية ووطنية.
ما يلفت الانتباه في دورة هذا العام أن العروض المشاركة لم تنشغل بتقديم حكايات تقليدية أو معالجات مباشرة، بل ذهبت نحو مناطق أكثر عمقاً وتعقيداً. فقد حضرت أسئلة الوجود والهوية والحرية والسلطة والعزلة بوصفها ثيمات مركزية في معظم الأعمال، وكأن المسرحيين الشباب أرادوا أن يقولوا إن دور الفن لا يقتصر على الترفيه أو إعادة إنتاج الواقع، بل يتعداه إلى مساءلته وإعادة التفكير فيه.
في مسرحية “بيتا دلتا جاما” برز الإنسان بوصفه الكائن الذي لا يتوقف عن طرح الأسئلة، فيما اشتغلت المسرحية على البحث عن المعنى وسط عالم مضطرب ومفتوح على الاحتمالات.
أما “جين” فقد قدمت معالجة درامية ذكية لطبيعة الرغبة البشرية، وكيف يمكن للفضول أن يتحول إلى قوة مدمرة عندما يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية. وفي “أخشاب حيّة” حضرت الحرية بوصفها القضية الأبرز، من خلال مجاز الدمية وصانعها، في مساءلة عميقة لعلاقة الفرد بمنظومات الهيمنة المختلفة.
أما “التل البعيد” فقد انشغلت بأسئلة السلطة والملكية والهوية، بينما طرحت “الجزيرة” تأملات في العزلة والبحث عن الخلاص، مستثمرة لغة بصرية ورمزية مكثفة. وجاءت “مسرح المدينة” لتدافع عن فكرة الوفاء للفن والتمسك بالخشبة بوصفها بيتاً أول للمبدع، في مواجهة إغراءات الرحيل والتخلي.
وفي مسرحية “أخشاب حيّة” حضرت أسئلة الحرية والإرادة الإنسانية من خلال مجاز الدمية وصانعها، في معالجة رمزية فتحت المجال للتأمل في العلاقة بين الإنسان والقوى التي تسعى إلى تشكيل مصيره. أما مسرحية “جين” فقد اشتغلت على الجانب النفسي للإنسان، مستثمرة فكرة الفضول والرغبة بوصفهما مدخلاً لطرح أسئلة أخلاقية ووجودية عميقة.
وجاءت مسرحية “الجزيرة” لتقارب موضوعات العزلة والحرية والبحث عن الخلاص عبر لغة بصرية ورمزية مكثفة، فيما انشغلت “التل البعيد” بأسئلة السلطة والهوية والانتماء، مقدمة فضاءً تأويلياً مفتوحاً أمام المتلقي للمشاركة في إنتاج المعنى.
أما “مسرح المدينة” فقد احتفت بالمسرح نفسه بوصفه مكاناً للذاكرة والإبداع والمقاومة الثقافية، وطرحت جدلية البقاء والرحيل والوفاء للفن في مواجهة التحولات المتسارعة.
وما يجمع هذه التجارب، على اختلاف موضوعاتها وأساليبها، هو انحيازها إلى المسرح بوصفه فضاءً للأسئلة والحوار والتجريب، وسعيها إلى استكشاف قضايا الإنسان المعاصر بلغة فنية تراوح بين الواقعي والرمزي، وبين المباشر والتأويلي، بما يؤكد حيوية مسرح الشباب وقدرته على تجديد أدواته ورؤاه باستمرار.
ورغم اختلاف الرؤى والأساليب الفنية، فإن ما جمع هذه الأعمال هو إيمانها بقدرة المسرح على إنتاج الأسئلة، وإثارة التفكير، وفتح آفاق التأويل أمام المتلقي. كما أظهرت العروض وعياً متقدماً بأهمية الصورة المسرحية والسينوغرافيا والإيقاع البصري، إلى جانب الجرأة في تناول القضايا الفكرية والإنسانية.
وهنا تتجلى أهمية مسرح الشباب تحديداً. فالشباب لا يأتون إلى المسرح محملين بالإجابات الجاهزة، بل بالأسئلة والقلق والرغبة في الاكتشاف. وهم الأكثر قدرة على التقاط التحولات الاجتماعية والثقافية، والأكثر استعداداً لتجريب أشكال فنية جديدة وكسر الأنماط التقليدية. ومن هنا فإن الاستثمار في مسرح الشباب ليس دعماً لفئة عمرية فحسب، بل استثمار في مستقبل الثقافة الوطنية نفسها.
لقد أثبتت هذه الدورة أن المسرح الأردني ما يزال قادراً على تجديد أدواته ورفد المشهد الثقافي بطاقات خلاقة، وأن المؤسسات الثقافية حين تفتح المجال أمام الشباب فإنها لا تصنع عروضاً مسرحية فحسب، بل تسهم في صناعة وعي جديد أكثر قدرة على الحوار والنقد والتأمل.
ومع ختام مهرجان عمون لمسرح الشباب، يبقى الرهان الحقيقي على استمرارية هذا المشروع الثقافي، وتوسيع أثره، وتحويل مخرجاته إلى مسار مستدام يتيح لهذه التجارب أن تنمو وتتطور وتصل إلى جمهور أوسع. فالمسرح الذي يمنح الشباب خشبته، يمنح الوطن في الوقت نفسه فرصة دائمة لتجديد أسئلته وأحلامه وصورته عن نفسه.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتنافس المنصات الرقمية على انتباه الإنسان، يظل المسرح واحداً من أكثر الفنون قدرة على إعادة الإنسان إلى إنسانيته؛ لأنه يقوم على اللقاء الحي، وعلى الحوار المباشر، وعلى الإصغاء العميق للأسئلة التي لا تشيخ. ولعل هذا هو الدرس الأجمل الذي يقدمه مهرجان عمون في دورته الثالثة والعشرين: أن المستقبل يبدأ دائماً من خشبة مسرح يؤمن بالشباب.








