“بيتا دلتا جاما”.. تستنطق أسئلة الوجود ويحتفي بإنسانية الإنسان
عمان – جمال الرياحي
قدّمت مسرحية “بيتا دلتا جاما”، مساء أمس، على خشبة مسرح هاني صنوبر، (المسرح الرئيسي) في المركز الثقافي الملكي، ضمن فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان عمون لمسرح الشباب، تجربة مسرحية انشغلت بأسئلة الإنسان الوجودية، وبحثه الدائم عن المعنى وسط عالم تتنازعه العزلة والافتقاد والقلق.
وجاء العرض، الذي أخرجه وصمم سينوغرافيته كامل الشاويش، معتمداً على لغة مسرحية تتجاوز السرد الحكائي المباشر نحو بناء بصري وجسدي كثيف، حيث تشكلت دلالات العمل عبر الصورة والإيقاع والحركة أكثر مما تشكلت عبر الحوار، في محاولة لفتح المجال أمام المتلقي للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل العلامات المسرحية المطروحة على الخشبة.
ومنذ لحظاته الأولى، رسم العرض فضاءً مشبعاً بالتوتر الوجودي، مستنداً إلى حضور أربعة ممثلين هم محمود الزغول، ومثنى الزبيدي، وسيف المشاقبة، ولؤي الدوايمة، الذين تقاسموا تشكيل المشهد المسرحي عبر أداء اعتمد على الجسد بوصفه حاملاً أساسياً للدلالة، وعلى الحركة بوصفها امتداداً للحالة النفسية والفكرية للشخصيات.
ولم يسع العمل إلى تقديم حكاية تقليدية ذات بداية ونهاية واضحتين، بل انشغل بتشييد عالم رمزي مفتوح، تتحرك فيه الشخصيات بين حالات من الانتظار والتيه والبحث، وكأنها تعبر متاهة إنسانية تتقاطع فيها أسئلة الذات مع أسئلة الوجود والمصير. ومن خلال هذا الاشتغال، بدا العرض أقرب إلى رحلة تأملية داخل أعماق الإنسان منه إلى سرد درامي قائم على الأحداث.
واعتمدت الرؤية الإخراجية على اقتصاد بصري مدروس، حيث تحولت عناصر السينوغرافيا إلى شفرات دلالية تسهم في بناء المعنى، فيما لعبت الإضاءة دوراً محورياً في رسم التحولات النفسية وصناعة المناخات الشعورية للمشاهد. كما أسهمت الموسيقى التي ألفها مراد دمرجيان في تعزيز الإيقاع الداخلي للعرض، فبدت جزءاً من النسيج الدرامي لا مجرد عنصر مكمّل له.
وشهد العرض انسجاماً واضحاً بين الأداء التمثيلي والعناصر التقنية المختلفة، إذ تداخلت الحركة مع الإضاءة والموسيقى والتكوينات البصرية في بناء لوحة مسرحية متكاملة، حافظت على إيقاعها الداخلي وقدرتها على استثارة التأمل لدى الجمهور.
كما اشتغل المخرج على توظيف الفراغ المسرحي بوصفه مساحة دلالية، فبدت الكتل البشرية المتحركة داخل المشهد وكأنها تعيد إنتاج صراع الإنسان مع أسئلته الكبرى، فيما تحولت لحظات الصمت إلى لغة موازية للكلام، تحمل من المعاني ما لا تستطيع الجمل التصريح به.
ويطرح العرض، في جوهره، تساؤلات حول الإنسان حين يواجه ذاته مجرداً من يقينياته المعتادة؛ وحول قدرته على التمسك بجماليات الحياة رغم ما يحيط به من هشاشة وفقدان. وهي أسئلة لم يقدم العمل إجابات جاهزة عنها، بل تركها معلقة في فضاء التأويل، انسجاماً مع رؤيته التي تراهن على وعي المتلقي وشراكته في إنتاج الدلالة.
وكان مخرج العمل كامل الشاويش قد أشار إلى أن “بيتا دلتا جاما” تسعى إلى الاحتفاء بالإنسان وأسئلته الوجودية عبر لغة بصرية وجمالية تراهن على التأويل، مؤكداً أن العرض لا ينشغل بالسرد التقليدي بقدر انشغاله ببناء عالم مسرحي تتكامل فيه الصورة والحركة والإيقاع لصناعة المعنى.
وأضاف أن العمل يطمح إلى خلق توازن بين العمق الفكري وجمالية التشكيل البصري، بما يمنح الجمهور فرصة خوض تجربة مشاهدة تتجاوز التلقي المباشر نحو التأمل والحوار مع الذات، انطلاقاً من إيمان صُنّاعه بأن المسرح ما يزال فضاءً قادراً على مساءلة الواقع وإثارة الأسئلة الكبرى.
واختتم العرض تاركاً أثره في أذهان المشاهدين، عبر مجموعة من الصور المسرحية المفتوحة على أكثر من قراءة، ومؤكداً قدرة المسرح على إعادة طرح الأسئلة الإنسانية القديمة بلغة معاصرة تستفز التفكير وتحتفي بالجمال في آن واحد.








